لُعْبَةُ الدُّوَلِ عَلَى مَسْرَحِ الدِّمَاءِ

تاريخ الإضافة السبت 20 تموز 2013 11:15 ص    عدد الزيارات 1694    التعليقات 0

      

تتسابق الدول "الكبرى" و"الصغرى" في هذا العصر إلى رفع شعارات الحرية والعدالة والإنساينة تحت مسمى "الديمقراطية", وتدعو إلى تحطيم الحواجز الطبيعية والمصطنعة بين الشعوب تحت مسمى "العولمة", ونحن في بلاد المسلمين التي كانت فيما مضى منارةً "حضاريةً" للعالم, أصبحنا في هذا الواقع بين مضعفٍ لها أو غائب السمع عنها, وأما القلَّة المُنذِرة من شرها وسوء مآلها فهي في قفَصَي اتهامٍ أولهما: الاتهام بالإرهاب والتطرف, وثانيهما: التخلف والتصحّر!! ولا بد أن يعي أبناء جلدتنا "المثقفون" -كما يصفون أنفسهم- بأن هذه الدول التي تشترع دينها من دنياها, وتصف البشرية على قاعدة "إن أكرمكم عندنا أطوعكم لأمرنا", لا تعير كل هذه الشعارات البراقة كرامةً حين تتعارض مع مصالحها ودنياها.
إنَّ أخطر ما في عصرنة مفهوم الحرية وترويج مفرداته المطبوخة سلفاً في مطابخ أهل الكفر والدنيا, أنه يهدف إلى تغييب مفهوم الإسلام وروح التشريع, بل إلى قلب هذه المفاهيم وغرس فهمٍ آخر للإسلام في جميع جوانبه العقائدية والتعبدية والسلوكية.
فماذا تعني "الديمقراطية" في دينهم وتشريعهم؟ فإنهم يسمونها: "اختيار الشعب" أي أن الشعب يختار ما يريد من القوانين والحكام وطريقة العيش وتولية وعزل من يشاء, وذلك بواقع الأكثرية العددية, أي لو أن ستةً من أصل عشرة اختاروا إباحة الزنا لصار واجباً "ديمقراطياً" على العشرة جميعاً أن يرضوا بذلك لأنه قرار ديمقراطي!! ولو أن ستةً من أصل عشرة اختاروا أن يولُّوا أمرهم فاسقاً أو ملحداً أو سفيهاً, صار واجباً "ديمقراطياً" على العشرة أن يسمعوا له ويطيعوا!!
ولا ريب أن هذا يتعارض ويتناقض مع أصلٍ أصيلٍ من عقيدة التوحيد في الإسلام, إذ إنَّ التشريع بكل أوجهه ومتعلقاته حقٌّ يتفرَّد به الله وحده دون سواه, كما في قوله تعالى:  {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} الأنعام: ٥٧, وفي قوله: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } الشورى: ٢١, وفي قوله: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } المائدة: ٤٤, وغير ذلك من الأدلة القاطعة البيّنة.
إنَّ ما يحدث في محيطنا اليوم من مسلسل "الثورات" و"الربيع" و"الشتاء"!! يهدف في ظاهره إلى إزاحة هذه الأنظمة الفاسدة الظالمة التي طغت في الأرض وملأتها جوراً وفساداً, والتي تسلطت على شعوبها وأذلَّتها إلى درجة الاستقواء بأعداء هذه الأمة لاستمرار ملكهم وجبروتهم, وهذا الشعار الذي يلامس مآسي المحكومين وغيظهم ومرارة حياتهم, استطاع أن يحرك هذه الجموع البشرية ويدفع بهم إلى طلب الموت خلاصاً من ظلمة الاستبداد وبطشه, بل وصل بنا جميعاً لدعوة الأمريكان والطليان!! إلى اجتياح بلادنا واحتلال ديارنا لتخليصنا من الطاغية! وفي الأمس القريب استدرجوا شبابنا و"ثوارنا" لمواجهة "الجيوش المحتلة" لأرضنا في أفغانستان والعراق. أمرٌ غريبٌ! تارةً نقاتلهم لأنهم أتوا وأخرى نتوسل إليهم أن يتدخلوا!
القضية أبعد من ذلك, فإنهم وبإعلامهم وأبواقهم هيَّؤوا الأمة أن تصدق "شفقتهم" و"حنانهم" و"حزنهم" على حال الناس وكرباتهم, واستطاعوا أن يقنعوا الناس بأن الخلاص من الظَلَمة وأن الحياة الكريمة لا تكون إلا في ظلال "الديمقراطية" و"العلمانية" وغيرها من التسميات الشركية.
إن التخلص من هذه الزمرة الطاغية الظالمة نعمةٌ من نعم الله على عباده, والنعمة الأعظم أن تُظلَّنا شريعة الله, وأن تقوم فينا دولة الإسلام, فلا نريد ظَلَمةً طغاةً يتسلَّطون على رقابنا, ولا نريد حريةً تضيّع ديننا وتخلخل عقائدنا.
 

Designed and Developed by

Xenotic Web Development