ثورات التغيير؛ إلى أين؟

تاريخ الإضافة السبت 20 تموز 2013 11:13 ص    عدد الزيارات 1682    التعليقات 0

      

لا يخفى ما تمر به مجتمعات المسلمين اليوم من مظاهر التحول في واقعها الذي ربت فيه أجيال متعاقبة, بُدلت جلودها ووجوهها وألوانها لتنفصل عن ذاتها وتاريخها بعد التداعي على الخلافة الإسلامية -العثمانية- وإسقاط كيانها, ومن ثم تمزيقها إلى أشلاء متناثرة قُسمت حصصاً -غذائية, وترفيهية- على "المنتصرين" ومندوبيهم!! وما يدعو للقلق والخوف في هذه المرحلة هو نفسه ما خُدع به المسلمون بعد إسقاط الخلافة الإسلامية, من شعارات التحرر والاستقلال...والانتصار لمفهوم القومية العصبية والخجل من الإسلام وأهله باعتبار "رجعيته" وتسببه في تخلف الشعوب وقهرها!!
والذي لا بد من الحديث فيه وتجريده من تلبيس شياطين الغرب والشرق, ما تخفيه هذه "الثورات" من طباع "الثَّوْر" الذي تُنسب إليه وتُشتق منه لغةً, إذ أن "الثَّوْر" يهوج وينتفض ويهاجِمُ دون أي تخطيط مسبق, ودون أي هدفٍ واضحٍ سوى القضاء على خصمه والتخلص منه, وهذا ما تُصبغ به ثوراتنا الدموية اليوم, ماذا نريد, وإلى أين نسير, وما هو البديل؟ هل نكرر "ثورات الاستقلال" التي نثور عليها الآن؟ هل نريد تحطيم سلاسل الطغاة من أيدينا وأعناقنا لنستبدلها بسلاسل العبودية والتبعية لغير الله ودينه؟
مما لا شك فيه أن ما يقلق مضاجع أعداء المسلمين على مر التاريخ هو الإسلام نفسه, ومقدار وجوده حقيقةً في نفوس المسلمين وحياتهم, ولذلك كانت أهداف المعركة واضحة لهم, وتكمن في سلخ هذه الشعوب عن الإسلام بل ونشر ثقافة الحقد والكراهية على الملتزمين بشرعه ظاهراً وباطناً, واعتبارهم طبقة متخلفة ومعيبة في مسيرة الحضارة والمدنية, وكان ما كان.
أما الآن وبعد أن أينعت كثير من ثمار الدعوة إلى الله تعالى عبر تلك العقود المنصرمة ورجعت مظاهر الإسلام تطفو على وجه المجتمعات الإسلامية, ونصبت نفسها واقعاً لا يمكن تجاهله, استأنفت قوى الكفر العالمي حربها وحقدها على الإسلام, ولكن بأساليب جديدة تهدف إلى استيعاب الحالة الإسلامية وإفشالها وتطويقها والقضاء عليها من داخلها, فخرجوا لنا بنظرية الحرية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ! والعجيب العجاب أنه قد مضى على اضطهاد هذه الشعوب بسلطة وأيدي من صنفتهم قوى الكفر العالمي بالحلفاء والأصدقاء -من حكام هذه الشعوب- عقوداً طويلة من العلاقات المميزة والتعاون السياسي والمخابراتي لتطويق أية محاولات تعبير أو دعوة إلى الإسلام وتشريعه, ثم فجأة تصطف قوى الكفر العالمي هذه مع "حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها" في مواجهة الأصدقاء المخلصين!!
يقول الله تبارك وتعالى:  { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } البقرة: ٢١٧ وما نعيشه اليوم من حالة إغراقٍ للمسلمين في بحرٍ من الدماء والاضطراب والفوضى لا يخرج عن مقاتلة الكفار المستمرة لهذا الدين إلى يوم القيامة. قد يقول البعض: إن هذا الكلام يخالف الثورة, ويوافق الطغاة واستبدادهم, وما أقوله: أننا نُحرَّض وتُغسل أدمغتنا  ثم نُساق إلى حيث هم يريدون لنا أن نكون, وهذه خطورة ما نحن فيه, وإلا كيف نفسر إقحام الجماعات الإسلامية وحركاتها في لعبة الانتخابات واللهث وراء السلطة واستجدائها من الناس والدول؟
كيف نفسر لأحفادنا غداً عدم قبولنا بتزعم الملحدين والمشعوذين علينا وإمساكهم برقابنا نتيجة فوزهم بصناديق الانتخابات؟ ألسنا قد قبلنا بمبدأ التحاكم إلى الشعب, والرضى بقرار الشعب؟؟
وما ضرنا أن لا نكون في المجالس المنتخبة أو السلطات الحاكمة ولو كنا نعلم يقيناً أنها قامت على غير ما شرع الله وأمر؟؟ كصاحب دكانٍ يلومه أحدهم: أنت مسلمٌ وتبيع الخمر؟ وترتكب محرماً؟! فكان تبريره وحجته: إذا لم أبعها فسوف يبيعها غيري !!!
وحجتنا: إذا لم نصل إلى هذه المجالس والمناصب سيصل إليها غيرنا!! ولكن! نسينا أن الله تعالى لم يرسل محمداً  ليكون ملكاً أو سلطاناً, بل أرسله داعياً ومبشراً ونذيراً, ووعده ومن آمن معه إن استقاموا على طريقته فإن لهم الغلبة والسلطة في الدنيا, يقول الله تبارك و تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } النور: ٥٥, فكان التمكين وكانت السلطة نتيجةً ولم تكن هدفاً.
إن الخطر الداهم علينا والكامن خلف هذه الشعارات البراقة هو تفريغ عقول المسلمين من حقيقة الإسلام واستبدال شريعة الله بشريعة الديمقراطية والعلمانية تحت ستار الحرية والتعددية...!!
عرض المشركون على رسول الله  عرضاً لتقاسم السلطة والمداورة التوافقية فيها: نعبد إلهك عاماً وتعبد إلهنا عاماً, حلٌّ وسطيٌّ وتسويةٌ نلتقي فيها في منتصف الطريق!!
والعرض هذا في ظاهره يحمل فرصةً ذهبيةً قد لا تتكرر, يعبدون إلهنا عاماً, نحببهم فيه بديننا ونقنعهم بصواب قولنا, فيؤمن أكثرهم, وعندها ستكون الغلبة العددية لنا, وسنفرض دولة الإسلام وسلطته على الأقلية الباقية التي لم تؤمن!!
ولكن! بماذا رد النبي  على هذا العرض؟
لم يرد, نعم لم يرد! بل الذي تولى الرد وحَسَم المسألة هو رب محمد , وكلف رسوله بإبلاغ الرد, لأن القضية قضية ثوابت وقضية تشريع, وقضية تعبد لله تعالى, فأنزل عز وجل قوله حاسماً كل تمنٍّ في قلوب المشركين لتمييع عقيدة المسلمين وثوابتهم,  يقول الله تبارك و تعالى: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } الكافرون: ١-٦
وهذا ما نُذكِّر به أمة المسلمين اليوم, ونُذكِّر من تصدرهم باسم الدين: أن الانجرار وراء مشاريع الكفار وتطبيق نظم حكمهم وحياتهم على أنفسنا ومجتمعاتنا بشبهة اغتنام الفرصة ومصلحة الدعوة والتدرج...بأن ذلك من التفريط في الأمانة والعقيدة والولاء والبراء, وأن الله تعالى لن يحاسبنا ...إذا حزنا مقعداً نيابياً أو إدارياً أو رئاسياً, أو حققنا أكثرية انتخابية, أو لم نفعل!!
ولم يكن عيباً ولا تقصيراً من نبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجلان ونبي معه الرجل ونبي وليس معه أحد, فقد أدى ما عليه من أمانة الدعوة وتبليغ الرسالة, وهذا ما يجب أن يكون نهجاً للدعاة وهدفاً, لا أن تتحول الدعوة إلى الله تعالى وسيلةً للسلطة واعتلاء المناصب, ولو بثمن الرضوخ لشريعةٍ غير شريعة الله كشريعة الديمقراطية والعلمانية, والشيوعية...
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً وأحينا على الإسلام وأمتنا على الإسلام.
 

لفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الزغبي حفظه الله

Designed and Developed by

Xenotic Web Development